أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
4
العقد الفريد
حروب قيس في الجاهلية يوم منعج « 1 » : لغنيّ على عبس قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : يوم منعج يقال له يوم الرّدهة « 2 » ، وفيه قتل شاس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي بمنعج على الردهة ، وذلك أنّ شاس ابن زهير أقبل من عند النعمان بن المنذر ، وكان قد حباه بحباء جزيل ، وكان فيما حباه قطيفة « 3 » حمراء ذات هدب ، وطيلسان وطيب . فورد منعج وهو ماء لغنيّ ، فأناخ راحلته إلى جانب الردهة وعليها خباء لرياح بن الأسل الغنوي ، وجعل يغتسل وامرأة رياح تنظر إليه وهو مثل الثور الأبيض ، فانتزع « 4 » له رياح سهما فقتله ، ونحر ناقته فأكلها ، وضم متاعه ، وغيّب أثره . وفقد شاس بن زهير حتى وجدوا القطيفة الحمراء بسوق عكاظ ، فقد سامتها امرأة رياح بن الأسل ، فعلموا أنّ رياحا صاحب ثأرهم ، فغزت بنو عبس غنيّا قبل أن يطلبوا قودا « 5 » أودية ، مع الحصين بن زهير بن جذيمة ، والحصين بن أسيد بن جذيمة ، فلما بلغ ذلك غنيّا قالوا لرياح : انج لعلنا نصالح القوم على شيء فخرج رياح رديفا لرجل من بني كلاب ، لا يريان إلا أنهما قد خالفا وجهة القوم ، فمرّ صرد « 6 » على رءوسهما فصرصر « 7 » ، فقال : ما هذا ؟ فما راعهما إلا خيل بني عبس ، فقال الكلابي لرياح : انحدر من خلفي والتمس نفقا في الأرض ، فإني شاغل القوم عنك . فانحدر رياح عن عجز الجمل ، حتى أتى صعدة « 8 » فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب وولج فيه ، ومضى صاحبه ، فسألوه فحدّثهم ، وقال : هذه غنيّ جامعة ، وقد استمكنتم منهم . فصدّقوه وخلوا سبيله ، فلما ولى رأوا مركب الرجل خلفه ، فقالوا : من الذي كان خلفك ؟ فقال : لا أكذب ، رياح بن الأسل ، وهو في تلك
--> ( 1 ) منعج : واد يأخذ بين حفر أبي موسى والنباج ، ويدفع في بطن فلج . ( 2 ) الردهة : النقرة في صخرة يستنقع فيها الماء . ( 3 ) القطيفة : كساء له أهداب . ( 4 ) انتزع له سهما : رماه به ( 5 ) القود : القصاص . ( 6 ) الصرد : طائر أكبر من العصفور كانوا يتشاءمون به ( 7 ) صرصر : صاح بصوت شديد متقطع . ( 8 ) صعدة : مرتفع من الأرض .